أبي حيان التوحيدي

198

المقابسات

هذا آخر ما ترجمه من هذا الفصل ، وهو كما ترى وعظ بحكمة ، وإيقاظ برأفة ، وتعليم بنصيحة ، وإرشاد ببيان . لو روى هذا الحسن البصري ومنصور بن عمار وضرباؤهما ما زادا على ذلك ، وقد اتفقت آراء الأوائل كلها على إصلاح السيرة ، وتصحيح الاعتقاد ، والسعي فيما أثمر وأجدى ، والإعراض عن كل ما شغل البال وأثار الشهوة ، لتبلغ النفس غايتها وتسعد في عاقبتها ، ولا يكون لها عكس في هذا العالم ، ولا تردد على ما قد خوّف من ذلك كثير منهم ، والسلام 38 مقابسة [ في معنى قولهم : العقل يحرم كذا ، ونطق بكذا ] قلت لأبى على هذا « 1 » ما معنى قول القائل : العقل يحرّم كيت وكيت ، العقل نطق بكيت وكيت ؟ فقال : معنى ذلك استحسانه الحسن واستقباحه القبيح ، والاستحسان تحسين لك ، والاستقباح تقبيح عليك ، والتحسين إطلاق ، والتقبيح حظر ، وإنما كان هذا من العقل هداية لذي الطبيعة ، لأنه يمر مع الأول ، والطبيعة هي معنا من لدن خلقنا ، فإذا استحكم سوء أدب ذي الطبيعة وطال أنفسد حتى يصير كأنه بعض هذه البهائم في الجهل ، أو بعض هذه السباع في التنزّى والوثوب ، وكان في الأصل محدودا بالنطق ، ظهر من قوته بالعقل ما حفظ حياته عليه ، ونشر فضله ، وشحذ جوهره ، ويسر أمره ، وأظهر مكنونه ، وذلك كله تنبيه العقل وتحريكه ، وتحسينه وتقبيحه ، فمن

--> ( 1 ) هو أبو علي بن زرعة المار ذكره في ص 197